عبد الوهاب الشعراني
107
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى الإمام أحمد والطبراني والبيهقي وإسناد أحمد جيد قوي مرفوعا : « من عرض عليه من هذا الرّزق شيء من غير مسألة ولا استشراف فليتوسّع به رزقه فإن كان غنيّا فليوجّهه إلى من هو أحوج إليه منه » . قال شيخنا يعني بشرط الحل في ذلك الرزق . وفي الحديث بيان جواز أخذ العبد ما زاد على رزقه بنية التوسعة به على غيره واللّه تعالى أعلم . قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل : سألت والدي عن الاستشراف فقال هو قولك في نفسك سيبعث إلي فلان سيصلني فلان ا ه واللّه تعالى أعلم . [ التصدق بما فضل عن حاجاتنا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نتصدق بكل ما فضل عن حاجتنا ولا ندخر منه شيئا إلا لضرورة شرعية سواء كان مالا أو طعاما أو ثيابا عملا بأخلاق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا نخلي يوما واحدا من صدقة ، فإن لم نجد شيئا مما ذكرناه تصدقنا بالتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونحو ذلك من صنائع المعروف . وفي الحديث : « صنائع المعروف تقي مصارع السّوء » . ومعنى التصدق بالتسبيح وشبهه أن يجعل ثواب ذلك في صحائف المسلمين ، وهذا العهد يتعين العمل به على كل من كان قدوة في دين اللّه من العلماء والصالحين ، فينبغي لأحدهم أن يكون مقداما للناس في كل خير . وفي ذلك فوائد : منها امتثال أوامر اللّه تعالى . ومنها عكوف الطلبة والمريدين على شيخهم إذا رأوه يعينهم على أمر معاشهم فيتقيدون عليه ويحصلون العلم وينشرون ذلك بعده ، ومنها دفع البلايا والمحن عنه في ذلك اليوم . ومن هنا قالوا : أقبح من كل قبيح صوفي شحيح ، وفي المثل السائر أن فلانا وفلانا جلسوا يأكلون كذا وكذا وتركوني مثل قط الفقيه لم يعزموا عليّ يعني أن غالب الفقهاء يشح على القط أن يرمي له ورك دجاجة أو رقبتها والأمثال لا تضرب في شيء إلا إذا كان تكرر ذلك الشيء من أهله ، ويقولون في المثل : يد تأخذ لا تعطي يعني أن كل من تعود الأخذ من صدقات الناس فهو يشح على غيره . وقد كان سيدي علي الخواص إذا سأله فقير شيئا ينقسم كالطعام والفلوس قسم ما عنده في ذلك بينه وبين ذلك الفقير نصفين ، ويقول : إن اللّه تعالى يكره العبد المتميز عن أخيه . وكان الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه يقول : إذا طلب منك أحد أن يؤاخيك فاسأله نصف ما له ، فإن أعطاك النصف فهو أخ وإلا فلا تجبه لصحبة ا ه . ثم اعلم يا أخي أن من الأولياء من لم يجعل اللّه تعالى على يديه شيئا من أرزاق الخلائق لإقامته في حضرة اسمه تعالى « المانع » فيقول الناس حاشى أن يكون هذا من